الشيخ الطبرسي
290
تفسير مجمع البيان
لهم معبود يستحق العبادة غير الله ، عز اسمه ( إن أنتم إلا مفترون ) أي : ما أنتم إلا كاذبون في قولكم إن الأصنام آلهة ( يا قوم لا أسألكم عليه أجرا ) أي : لست أطلب منكم على دعائي لكم إلى عبادة الله جزاء ( إن أجري إلا على الذي فطرني ) أي : ليس جزائي إلا على الله الذي خلقني ( أفلا تعقلون ) عني ما أقول لكم فتعلمون أن الأمر على ما أقوله . ( ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ) قد بينا وجه تقديم الاستغفار على التوبة في أول هذه السورة ( يرسل السماء عليكم مدرارا ) أي : يرسل المطر عليكم متتابعا متواترا دارا . وقيل : إنهم كانوا قد أجدبوا ، فوعدهم هود أنهم إن تابوا أخصبت بلادهم ، وأمرعت وهادهم ( 1 ) ، وأثمرت أشجارهم ، وزكت ثمارهم بنزول الغيث الذي يعيشون به . وهذا مثل قوله ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ) . ( ويزدكم قوة إلى قوتكم ) فسرت القوة هنا بالمال ، والولد ، والشدة ، وكل ذلك مما يتقوى به الانسان . قال علي بن عيسى : يريد عزا إلى عزكم بكثرة عددكم وأموالكم . وقيل : قوة في إيمانكم إلى قوة أبدانكم . ( ولا تتولوا ) عما أدعوكم إليه ( مجرمين ) أي : مشركين كافرين ( قالوا يا هود ما جئتنا ببينة ) أي : بحجة ومعجزة تبين صدقك ( وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك ) أي : لسنا بتاركي عبادة الأصنام لأجل قولك ، وقيل : إن ( عن ) جعلت مكان الباء ، فمعناه بقولك ( وما نحن لك بمؤمنين ) أي : مصدقين . وإنما حملهم على دفع البينة مع ظهورها أشياء ، منها تقليد الآباء والرؤساء ، ومنها إتمامهم لمن جاء بها حيث لم ينظروا فيها ، ومنها أنه دخلت عليهم الشبهة في صحتها ، ومنها اعتقادهم لأصول فاسدة دعتهم إلى جحدها . وإنما حملهم على عبادة الأوثان أشياء منها : اعتقادهم أن عبادتها تقربهم إلى الله زلفى . ومنها أن الشيطان ربما ألقى إليهم أن عبادتها تحظيهم في الدنيا . ومنها أنهم ربما اعتقدوا مذهب المشبهة ، فاتخذوا الأوثان على صورته عندهم فعبدوها ( إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ) هذا تمام الحكاية عن قوم هود ، جوابا لهود .
--> ( 1 ) مرع المكان : أخصب . ووهاد جمع وهد : المطمئن من الأرض ، والمكان المنخفض كأنه حفرة .